السيد كمال الحيدري
176
المذهب الذاتي في نظرية المعرفة
جميع تلك التجارب بالانجماد ، استطعنا أن نستنتج في ضوء المبدأ الأرسطي أن انخفاض درجة الحرارة إلى الصفر هو السبب في الانجماد ، وليس اقترانهما مجرّد صدفة ؛ لأنه لو كان صدفة لجاز أن يوجد مرّة أو مرتين مثلًا ولما تكرّر باستمرار في كلّ التجارب التي قمنا بها . ويبقى على المبدأ الأرسطي بعد هذا أن يحدّد ذلك العدد المعقول من التجارب والمشاهدات الذي لا تتكرر الصدفة النسبية فيه باستمرار ، لأنّ عدد التجارب والمشاهدات يختلف من استقراء إلى آخر ومن حالة إلى أخرى ، فإذا حُدّد العدد الذي لا تتكرر الصدفة النسبية فيه دائماً وجب على كلّ استقراء أن يصل بملاحظاته وتجاربه إلى ذلك العدد ، لكي يستطيع أن ينفي الصدفة ويبرهن على السببية بين الظاهرتين . وهكذا لابدَّ للمنطق الأرسطي أن يضع مبدأه في صيغة محدّدة من قبيل أن يقول إن الصدفة النسبية لا تتكرر خلال عملية الاستقراء في عشر تجارب باستمرار أو في مئة تجربة أو في ألف تجربة أو في أيّ عدد آخر يحدَّد ، أكبر من ذلك أو أصغر . فإذا افترضنا أنا حددنا ذلك العدد المعقول من التجارب بعشر مثلًا فمعنى المبدأ الأرسطي في ضوء هذا التحديد هو أنا إذا قمنا بتجربة على الماء فخفضنا درجة حرارته إلى الصفر فاقترن ذلك بالانجماد ، لم نستطع أن نكتشف من وقوع هذا الاقتران مرّة واحدة وجود رابطة سببية بين الانخفاض والانجماد ، لأنّ بالإمكان أن يكون الاقتران مجرّد صدفة نسبية ويظلّ احتمال الصدفة النسبية قائماً إلى أن يتكرر الاقتران بين الانخفاض والانجماد في تجاربنا عشر مرات ، فعندئذ نستطيع أن ننفي الصدفة في ضوء المبدأ الأرسطي ، ونكتشف أن اقتران الانجماد بالانخفاض كان